العيني

249

عمدة القاري

الأول تخبر عما يجب وما لا يجب فهي أولى . وأجاب الجمهور عن هذه أن هذه الآثار على نوعين : أحدهما : الماء من الماء ، لا غيره فهذا ابن عباس قد روى عنه أنه قال : مراد رسول الله عليه الصلاة والسلام أن يكون هذا في الاحتلام ، وأخرج الترمذي عن علي بن حجر عن شريك عن أبي الحجاب عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، قال : إنما الماء من الماء في الاحتلام ، يعني إذا رأى أنه يجامع ثم ينزل فلا غسل عليه ، والنوع الآخر : الذي فيه الأمر ، وأخبر فيه القصة ، وأنه : لا غل في ذلك حتى يكون الماء ، قد جاء خلاف ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه المذكور في الباب ، وهذا ناسخ لتلك الآثار . فإن قتل : ليس فيه دليل على النسخ لعدم التعرض إلى شيء من التاريخ . قلت : قد جاء ما يدل على النسخ صريحاً وهو ما روى أبو داود في ( سننه ) حدثنا أحمد بن صالح حدثنا ابن وهب ، قال : أخبرني عمرو يعني بن الحاري عن ابن شهاب ، قال : حدثني بعض من أرضي : أن سهل بن سعد الساعدي أخبره أن أبي بن كعب أخبره : ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما جعل ذلك رخصة للناس في أول الإسلام لقلة الثبات ثم أمرنا بالغسل ، ونهى عن ذلك ) قال أبو داود : يعني الماء من الماء ، وأخرجه الطحاوي أيضاً ، وأخرج أبو داود أيضاً حدثنا محمد بن مهران الرازي ، قال : حدثنا مبشر الحلبي عن محمد بن غسان عن أبي حازم عن سهل بن سعد . قال : حدثني أبي بن كعب أن الفتيا التي كانوا يفتون إن الماء من الماء ، كانت رخصة رخصها رسول الله صلى الله عليه وسلم في بدء الإسلام ثم أمرنا بالاغتسال بعد ، وأخرجه ابن ماجة والترمذي وقال : حديث حسن صحيح ، فإن قلت : في الحديث الأول مجهول وهو قوله : حدثني بعض من أرضي . قلت : الظاهر أنه أبو حازم سلمة بن دينار الأعرج لأن البيهقي روى هذا الحديث . ثم قال : رويناه بإسناد آخر موصول عن أبي حازم عن سهل ابن سعد ، والحديث محفوظ عن سهل عن أبي بن كعب كما أخرجه أبو داود . وقال ابن عبد البر في ( الأستذكار ) إنما رواه ابن شهاب عن أبي حازم ، وهو حديث صحيح ثابت بنقل العدول له وأخرج ابن أبي شيبة في ( مصنفه ) قال : حدثنا عبد الأعلى بن عبد الأعلى عن محمد بن إسحاق عن زيد بن أبي حبيب عن معمر بن أبي حية ، مولى ابنة صفوان ، عن عبيد بن رفاعة بن رافع عن أبيه رفاعة بن رافع ، قال : ( بينا أنا عند عمر بن الخطاب ، رضي الله تعالى عنه ، إذ دخل عليه رجل فقال : يا أمير المؤمنين ، هذا زيد بن ثابت يفتي الناس في المسجد برأيه في الغسل من الجنابة ، فقال عمر : علي به ، فجاء زيد ، فلما رآه عمر ، قال : أي عدو نفسه ، قد بلغت أنك تفتي الناس برأيك ! فقال : يا أمير المؤمنين ، بالله ما فعلت ، لكني سمعت من أعمامي حديثاً فحدثت به ، من أبي أيوب ، ومن أبي بن كعب ، ومن رفاعة بن رافع ، فاقبل عمر على رفاعة بن رافع فقال : وقد كنتم تفعلون ذلك ؟ إذا أصاب أحدكم من المرأة فأكسل لم يغتسل ؟ فقال : قد كنا نفعل ذلك على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يأتنا فيه تحريم ، ولم يكن من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه نهي ، قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم ذلك ؟ قال : لا أدري فأمر عمر بجمع المهاجرين والأنصار ، فجمعوا له فشاورهم ، فأشار الناس أن لا غسل في ذلك إلاَّ ما كان من معاذ وعلي ، رضي الله تعالى عنهما ، فإنهما قالا : الثالث : إذا لا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل فقال عمر ، رضي الله تعالى عنه ، هذا وأنتم أصحاب بدر ، وقد اختلفتم فمن بعدكم أشد اختلافاً قال : فقال علي ، رضي الله تعالى عنه : يا أمير المؤمنين إنه ليس أحد أعلم بهذا ممن سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم من أزواجه ، فأرسل إلى حفصة فقالت : لا علم لي بهذا ، فأرسل إلى عائشة فقالت : إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل فقال عمر ، رضي الله تعالى عنه ، لا أسمع برجل فعل ذلك ، إلا أوجعته ضرباً ) ورواه الطحاوي أيضاً فيه : لا أعلم أحداً فعله ثم لم يغتسل إلا جعلته نكالاً ولم يتقن الكلام أحد في هذا الباب مثل الإمام الحافظ أبي جعفر الطحاوي ، فإن أراد أحد أن يتقنه فعليه بكتابه ( معاني الآثار ) وشرحنا الذي عملناه عليه المسمى ( بمباني الأخبار ) . فإن قلت : ادعى بعضهم أن أحد أن التنصيص على الشيء باسمه العلم يوجب نفي لحكم عما عداه ، لأن الأنصار فهموا عدم وجوب الاغتسال بالأكسال من قوله صلى الله عليه وسلم : ( الماء من الماء ) أي : الاغتسال واجب بالمني ، فالماء الأول هو المطهر . والثاني هو المني ، ومن ، للسبيبة ، والأنصار كانوا من أهل اللسان وفصحاء العرب وقد فهموا والتخصيص منه حتى استدلوا به على نفي وجوب الاغتسال بالإكسال لعد الماء ، ولو لم يكن التنصيص باسم الماء موجباً للنفي لما صح استدلالهم على ذلك . قلت : الذي يقول بهذا أبو بكر الدقاق وبعض الحنابلة ، والجواب أن ذلك ليس من دلالة التنصيص على التخصيص ، بل إنماهو من اللام المعرفة الموجبة للاستغراق عند عدم المعهود ، ونحن نقول :